إن رجلا يجد أحلامه ترتدي ثوب امرأة تقف على مقربة من واقعه وتقول له هيا اختطفني هو مؤهل للجنون الحتمي أو الدهشة الأبدية فقليلون من يستطيعون اقتناص الفرص في زمن يشكل فيه الغموض مفتاحاً للحقائق...
ككل الرجال هو يرسم أحلاماً للحب...يعشق مجهول و يعايشه بأنفاسه ويدعه يتسرب لحواسه وهو لا يعرف عنه سوى أنه المجهول الذي يقضي سنوات العمر آملا أن يأتيه محمولا على احدي مركبات الشمس.
وها هي الأقدار تضعها أمامه هازئة بجدوله الزمني الذي لم يعد يتسع للحب إلا في أحلام اليقظة. لم يكن يتصور أن يلقي أنثي تسير الفصول الأربعة في ركابها...محفوفة بالهيبة كشتاء 2011 الاستثنائي...باردة..دافئة..عاصفة..ماطرة تصلح لان تكون حاضرة في كل نشرات الأنواء العاطفية...مليئة بالغموض...مليئة بالتناقضات حد الجنون...
غرق في تفاصيلها دون إدراك لفرصة الحب الاستثنائية...وبدلا من التفكير في تذليل العقبات والمعوقات التي تقف حاجزا بين الحلم وتحققه... صار يقضي أكثر الأوقات مندهشا بما يحمله إليه صوتها... منبهرا بحديثها الليلي الذي كان يأتيه وكأنها ترانيم تعزف حولها أجراس الكنائس...يحمل في طياته عبق الفردوس الضائع...كان لكلماتها قدسية ورومانسية ساحرة وكأنها قفزت فوق حدود الزمن وهربت من إحدى القلاع القوطية...
لم يدرك أن القدر الذي وضع أمام حلمه الكبير كان يختبر مدى قدرته على تحقيق أحلامه واقتناص الفرص التي قد لا تتكرر أبدا ...فلم ينتبه أن ضياعها من يده مرادف لبقائه حتى الممات مغيبا عن واقعه بأحلام يقظته...وعاجزا عن تحقيق حلمه لما يفرضه عليه الواقع من ضغوط... شغله الغرق في تفاصيلها المليئة بالزخم عن إدراك هذا المعضلة..
ولكن فتاته العشرينية ... جاءت بعد أن كان قد تخلي عن حلمه واستسلم للواقع بماديته المفرطة وتسربل في الحياة بزيجة تعيسة وأبناء لا ذنب لهم إلا أنهم جاءوا للحياة نتيجة لرغبة في التناسل والحصول على جواز مرور اجتماعي لا نتيجة للحب... أنساه هذا الواقع أن المني حين نصادفها تستحق بعض الركض وقليل من الجهد وشيء من الإصرار...وجميعها أشياء تساقطت من حقيبة مبادئه في رحلته الطويلة...
لا يعرف كيف وجد لنفسه مبررات تسمح له بالركض في الاتجاه العكسي حين آثر الهروب منها... وكأنه قد اكتشف للتو أن الحب عند أمثاله مجرد رفاهية مسروقة في لقاء خفي لا يستطيع أن يتحمل تبعاته... اكتفي بالدهشة وكأنه زائر لمتحف يضم أجمل لوحة يقف أمامها منبهرا بروعتها ولا يحاول أن يفك رموزها .. أو فهم خطوطها...قرر الهرب ولم يكن يعي تماما أنه يهرب منها إليها...ولم يشعر أنها كانت تتبعه كلعنات الفراعنة...
وعبثا حاول الانخراط في علاقات عابرة مع نساء أسبغ هو عليهن بخياله بعض صفاتها...فكانت حاضرة في كل مغامراته ... وتحتل صورتها كل الوجوه النسائية التي ملأ حياته بها...فاكتشف أنها أنثي ذات ألف وجه ووجه... ذات روح هائمة تتلبس كل امرأة فتضفي عليها بعض من ألقها...ليجد نفسه حائرا بين الأصل وبين الصور المستنسخة...
فكلما هرب منها وجد نفسه يهرب إلي نسخة منها ...فلم يعد يدرك هل هن شبيهات لها ؟؟ أم أن خياله يصور له ذلك ...لأنها أصبحت وبكل بساطة تحتل خياله أيضا.
لم يكن يتوقع أن تجره هذه الفتاة الاستثنائية إلى حدود الجنون لأنها سبرت أغوار نوازعه وحاصرته بأطياف من روحها وكأنها ترسل له _في كل يوم_ رسالة مزيلة بابتسامة ساخر تقول فيها: " أيها الأناني هل تظن أنك تملك بكل بساطة الدخول والانسحاب من أعماقي وقتما تشاء؟؟ ...ها أنت الآن لا تعرف كيف تميز بين الأصل وبين الظل.."
نهى نادر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق