الثلاثاء، 31 مايو 2011

ضجيج الوحدة


ضجيج الوحدة

 من خارج جدران ذلك المنزل الواسع يمكنك أن تسمع ضجة التلفاز. يصدر أصواتاً مختلفة. غرفة واحدة فقط مضاءة ويخيم الظلام على باقي الأركان... تفوح رائحة الوحدة من شرفات منزلها... تلفاز يتحدث بلا مستمعين ولا مشاهدين...!! أغنيات تصدح ولا أحد يطرب لها.
 تجدها تجوب جدران البيت لتواسيها. فقط هي والجدران وتلفاز وحاسوب يعمل ليلا ونهارا بلا انقطاع... تجد عليه أناس يودون محادثتها.... ولا تملك أن تكسر جدار الصمت... تترجم آهاتها كلمات تطرب لوقعها الأبجدية... ويتراقص المدى اللامتناهى عند سماعها.... وحدها لا يسعدها سماع نسيج كلماتها...!! ترى أن كلماتها عاجزة تماما... مرآة مشوشة، أو  ربما مرآة كاذبة تجمل كل قبيح ...وتكاد تشعر أن الكلمات شريك غادر في مسرحية معاناتها.
 إنها لا تثق بالمرايا ولا بكلماتها المنسوجة من حزنها القديم... حزنها ضارب في الأعماق كجذور التاريخ الضاربة في أعماق صعيد مصر... تحاول الانفصال عن وحدتها التي تطوقها كأذرع الإخطبوط.  اعتادت الصمت والوحدة... تحيى عالما افتراضيا لأنها انسحبت من الحياة الطبيعية... أصداء الصمت تكرر في محضرها ذكريات لا تود أن تسمع رجعها... وتود لو أنها تمحو ذاكرة ذكرياتها...
 تعودت ألا تثق في البشر وتدرك أن الوفاء أصبح من الخصال البالية وتعلم جيداً أن الغدر صفة مستشرية... تخفى الكثير من معتقداتها لأنها لا تريد مزيدا من خسائر تؤلب عليها وحوش الوحدة الكامنة في الفراغ المحيط بها... هي لا تتقن الشكوى. تحاول أن تستمد سعادتها عندما تسعد الآخرين . إنها لحظات سعادة مزيفة تلك ولكنها لا تحسن إلا القيام بدور الشمعة ... مكبلة بالألم والضجر. حتى عطرها دائم الشكوى يريد أنفا أخرى غير أنفها أن تستنشقه... حتى عشقها افتراضيا ولا تملك الفرار من قلعة الصمت هذه... ترى نفسها مسجونة في إطار زمني غريب...!!
 تمضى الساعات تحملق في ذلك البرواز المعلق على الحائط. مرسوم عليه شلال ينبثق عنه نهرا. ترى نفسها في ذلك الرسم العجيب وتتساءل حائرة. أتراه يستطيع هذا الرسم الجامد أن يحطم زجاج البرواز وإطاره الخشبي ليجرى هذا النهر بحرية كما أراد له الباري أم سيظل حبيس البرواز؟؟ أتراه مقدر عليه أن يظل رسما جامدا يسعد من ينظر إليه للحظات ويظل هو في محبسه؟ ربما هذا هو قدرها هي أيضا.   
                        الاديبة \ نهى نادر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق